ابن العظم
13
السر المصون ذيل على كشف الظنون
والإحاطة بكل شيء ، وكان الإقبال على العلوم كبيرا بحجم الإيمان الكبير الذي استولى على النفوس ، وكان بعده الثراء الفكري الغزير وأصبح التباهي فيما بعد في اقتناء المكتبات الخاصة زينة العصر ناهيك عن المكتبات العامة التي أسسها الحكام والسلاطين ، مما جعل مستشرقة مثل ( زيغريد هونكه ) تقول : « لقد أقبل العرب على اقتناء الكتب إقبالا منقطع النظير يشبه إلى حد كبير شغف الناس في عصرنا باقتناء السيارات والثلاجات وأجهزة التلفزيون » « 1 » . أثمر هذا النهج الذي شرعه الإسلام ما أشرنا إليه من ثراء فكري بنيت عليه حضارة الإسلام والعرب ، ولكننا لا نستطيع أن ننكر دور الشعوب الأخرى التي دخلت في الإسلام ، أو التي عاشت تحت راية الدولة الإسلامية ، وهنا لا بد من الحديث عن حركة الفتوحات الإسلامية وبيان ما أثمرت على صعيد التقدم العلمي . فتح المسلمون العراق وكان مسكنا لبعض القبائل العربية وبعض الفرس ، ثم فتحت فارس وفيها خليط من الفرس واليهود والرومان ، وتلتها الشام وقد تداولت عليه أمم ومدنيات مختلفة ، وبعد الشام جاء دور مصر مهد الحضارات القديمة والوارثة لحضارتي اليونان والرومان ، وفيها الإسكندرية وما تمثل من دور علمي حيث كانت مركزا للمذاهب الفلسفية ، وبعدها بلاد المغرب العربي وكانت تحت السيطرة الرومانية ، وإذا تابعنا مسيرتنا مع التأريخ نرى رايات المسلمين ترفرف فوق السند وبخارى وخوارزم وسمرقند والأندلس ، وقد أصبحت هذه الأقطار الشاسعة بما تمثل من فكر وحضارة تحت سيطرة المسلمين ، ونتج عن ذلك عملية مزج عميقة بين الفاتحين وأهل البلاد المفتوحة ، وقد طال هذا المزج وهذا التأثير النظم الاجتماعية وأثر في العقل والفكر العربيين ، وقد ساعد على ذلك عدة عوامل أهمها : تعاليم الإسلام وفكره المنفتح ، واستعمال الإسلام للعلم بالمعنى الشمولي للكلمة أي بمعنى المعرفة وهو ما يفهم من قوله تعالى : وفوق كل ذي علم عليم [ يوسف ، 12 / 76 . ] وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ( الحكمة ضالّة المؤمن ) « 2 » ودخول كثير من الأعاجم في الإسلام والتزاوج والعيش المشترك . كانت هذه العوامل وغيرها ذات تأثير كبير ، وقد لقحت العقل العربي بنمط من التفكير جديد كما أن نظامي الاسترقاق والولاء في الإسلام سمحا بدخول العناصر الغريبة إلى داخل البيت العربي ، ودخل مع هذه العناصر فكرها وحضارتها وعاداتها ، ونتج عن ذلك بروز حركات علمية نوجزها فيما يلي :
--> ( 1 ) زيغريد هونكه ، شمس العرب تسطع على الغرب ، ص 385 . ( 2 ) أخرجه القضاعي في مسنده من حديث الليث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم مرفوعا ، وكذا الترمذي في أواخر باب العلم ، السخاوي ، المقاصد الحسنة ، ص 202 .